في خطوة تُعدّ الأهم منذ أكثر من عقد في قطاع الغاز السوري، أعلنت شركة Dana Gas الإماراتية توقيع مذكرة تفاهم مع الشركة السورية للنفط (SPC) بهدف تقييم فرص إعادة تطوير وتوسعة عدد من حقول الغاز الاستراتيجية في وسط البلاد، وعلى رأسها حقل أبو رباح الذي يُعتبر أحد أكبر وأهم الاكتشافات الغازية في سورية. تحمل هذه الاتفاقية أبعاداً تتجاوز إطار التعاون التقليدي، إذ تشكل محاولة جدية لإعادة إحياء قطاع الغاز المتضرر بفعل الحرب، وتعزيز قدرات إنتاج الطاقة الكهربائية داخل البلاد.
أهمية الاتفاقية ومكانتها في المشهد الإقليمي
تتميّز الاتفاقية بكون Dana Gas أول مطوّر غاز إقليمي يوقّع اتفاقاً رسمياً من هذا النوع مع سورية منذ بداية الأزمة. هذا التطور يعكس تغيّراً تدريجياً في البيئة الاستثمارية لقطاع الطاقة السوري، ويفتح الباب أمام شركات أخرى قد تنظر إلى السوق السورية بوصفها فرصة واعدة لإعادة الإعمار الطاقي، خاصة في قطاع الغاز الذي شهد تراجعاً حاداً في الإنتاج خلال السنوات الماضية.
كما أن اختيار Dana Gas ليس مصادفة؛ فالشركة تمتلك خبرات واسعة في تطوير حقول الغاز في المنطقة، خصوصاً في إقليم كردستان العراق، حيث نفذت مشروع KM250 التوسعي بنجاح وبوتيرة أسرع من المخطط. هذا السجل يمنح الشركة القدرة على مواجهة التحديات الفنية واللوجستية المتوقعة في سورية.
مضمون مذكرة التفاهم: إعادة تقييم وبناء على أسس فنية
تقوم مذكرة التفاهم على مجموعة من المهام الأساسية:
إجراء تقييم تقني شامل لعدة حقول غاز تابعة للشركة السورية للنفط.
تقييم حالة الآبار والخزانات، والقدرة الإنتاجية الممكنة، والبنية التحتية المرتبطة بها.
وضع خطة تطوير متكاملة في حال أثبتت الدراسات وجود جدوى اقتصادية وإنتاجية.
العمل على رفع الإنتاج الوطني من الغاز بما ينعكس بشكل مباشر على قطاع الكهرباء.
ورغم أن المذكرة ليست عقد تطوير نهائي، إلا أنها تمثل خطوة تمهيدية قد تتطور لاحقاً إلى مشروع فعلي يعيد تشغيل حقول متوقفة أو متضررة، ويزيد من إنتاج الغاز المحلي.
حقل أبو رباح: الثقل الأكبر في الاتفاقية
يحتل حقل أبو رباح مركز الثقل ضمن الاتفاقية، إذ يعد أحد أكبر الحقول المكتشفة في سورية وأكثرها قدرة على إنتاج الغاز الحر. أي تطوير لهذا الحقل سيُحدث أثراً فورياً وملموساً على منظومة الطاقة السورية، خصوصاً أن معظم محطات التوليد داخل البلاد تعتمد على الغاز كوقود أولي.
كما أن إعادة تطوير الحقل سيتطلب تحديث البنية التحتية للمعالجة والنقل، ما يعزز فرص الاستثمار في خطوط الغاز ومحطات المعالجة، وبالتالي دعم قطاعات صناعية أخرى تعتمد على الغاز كمادة أولية.
الأثر المتوقع على قطاع الكهرباء وأمن الطاقة
تراجع إنتاج الغاز كان أحد الأسباب الرئيسية لانخفاض ساعات التغذية الكهربائية في سورية، إذ اضطرّت الدولة إلى تشغيل محطات التوليد الثقيلة بواسطة الفيول والمازوت، وهي حلول أقل كفاءة وأكثر كلفة.
لذلك فإن أي زيادة في إنتاج الغاز المحلي ستسهم مباشرة في:
رفع ساعات التغذية الكهربائية وتخفيف التقنين.
تخفيض تكلفة تشغيل محطات التوليد عبر التحول من الفيول إلى الغاز.
تحسين استقرار الشبكة الكهربائية من خلال تشغيل المحطات الغازية بكفاءة أعلى.
تعزيز أمن الطاقة الوطني وتقليل فاتورة الاستيراد.
رسالة الثقة المتبادلة
اللغة التي استخدمها الرئيس التنفيذي لدانة غاز، ريتشارد هول، في حديثه حول الاتفاقية حملت دلالات مهمة. فقد أشار صراحة إلى:
الثقة الكبيرة بالقدرات الفنية للمؤسسة السورية للنفط.
جاهزية Dana Gas لاستخدام خبراتها الإقليمية في سورية.
إمكانية إحداث فرق حقيقي في إنتاج الغاز المحلي.
هذه الرسائل تدل على وجود رغبة مشتركة للانطلاق نحو مرحلة جديدة من التعاون الطاقي، تتسم بالواقعية والالتزام وبُعد المدى.
التحديات المحتملة
ورغم التفاؤل، تواجه الاتفاقية عدداً من التحديات الموضوعية، أبرزها:
إعادة تأهيل البنية التحتية للغاز التي تعرضت لأضرار خلال سنوات الحرب.
البيئة التمويلية والعقوبات التقنية واللوجستية.
الحاجة إلى استثمارات كبيرة لتطوير الحقول وزيادة الإنتاج.
ضرورة ضمان بيئة تشغيل آمنة ومستقرة.
ومع ذلك، فإن وجود شركة ذات خبرة واسعة مثل Dana Gas يقلّل كثيراً من المخاطر التشغيلية والفنية.
بداية مرحلة جديدة
تمثل مذكرة التفاهم بين Dana Gas وSPC علامة فارقة في مسار قطاع الغاز السوري، وبداية مرحلة جديدة من الانفتاح التدريجي والتعاون الإقليمي. ومع أن الاتفاقية ما تزال في مرحلة التقييم، إلا أنها تحمل إمكانات استراتيجية ضخمة، سواء على مستوى تعزيز الإنتاج المحلي أو تحسين وضع الكهرباء أو دعم الاقتصاد الوطني.
إن تفعيل الاتفاقية على أرض الواقع قد يشكل أولى اللبنات الحقيقية في إعادة بناء منظومة الغاز السورية، ويمهد الطريق لمرحلة أكثر استقراراً ومرونة في قطاع الطاقة بأكمله.