من الزارة إلى جندر ودير علي: صيانة تعيد نبض الكهرباء

في لحظةٍ تبدو فيها المنظومة الكهربائية السورية محكومةً بعاملين قاسيين—شحّ الوقود من جهة، وتآكل الجاهزية الفنية من جهة أخرى—تأتي الأخبار الأخيرة من الزارة وجندر ودير علي لتشير إلى تحوّلٍ عملي في طريقة التعاطي مع “أزمة الكهرباء”: بدلاً من الرهان على وعودٍ عامة بزيادة الإنتاج، يجري العمل على تحرير ميغاواطات موجودة أصلاً لكنها كانت تُفقد بسبب اختناقات فنية، أو أعطال متكررة، أو نقص قطع تبديل، أو قصورٍ في الصيانة الوقائية.

هذا التحول يظهر بوضوح في تزامن ثلاثة مسارات مختلفة ولكنها متكاملة: دعمٌ إنسانيّ/تقنيّ موجّه لرفع الكفاءة في محطة الزارة، وبرنامج صيانة ممول ومخطط على مدى سنتين لمحطة جندر، ثم تدخل عاجل قصير المسافة (لكن عالي العائد) لاستعادة قدرة محددة في دير علي—وكل ذلك ضمن أسبوعين تقريباً من حيث توقيت الإعلانات الرسمية.

الزارة- الكفاءة قبل القدرة :

في محطة الزارة الحرارية بحماة، قد يبدو الحديث عن قطع تبديل للمسخّنات الدوّارة تفصيلاً ميكانيكياً، لكنه في الواقع يقع في قلب اقتصاديات التوليد البخاري. فالمسخّنات الدوّارة (Air Heaters) جزءٌ أساسي من منظومة استرجاع الحرارة في المرجل: عندما تكون بحالة جيدة، يرتفع مردود الاحتراق وتنخفض الفواقد الحرارية في غازات العادم، ويصبح الوصول إلى حمل أعلى أكثر استقراراً—وهذا يعني عملياً طاقة أكثر من نفس كمية الوقود في بيئةٍ يعتبر فيها الوقود “عنق الزجاجة” الأكبر.

ضمن هذا السياق، نُقل أن الهلال الأحمر العربي السوري قدّم قطع تبديل لهذه المسخّنات في مراجل العنفات البخارية بالزارة، بالتنسيق مع وزارة الطاقة وبدعمٍ من اللجنة الدولية للصليب الأحمر، بهدف رفع كفاءة التوليد وتقليل استهلاك الوقود.

ولأن تحسين الكفاءة وحده لا يكفي إن لم تُستكمل حلقات الجاهزية، من المهم ربط هذا الدعم بما أعلنته سانا سابقاً عن انتهاء صيانة شاملة للمجموعة البخارية الثانية في الزارة ضمن خطة لإعادة تأهيل المجموعات العاملة، وأن أعمال الصيانة بدأت منتصف تشرين الأول واستمرت نحو 55 يوماً وشملت المنظومات الميكانيكية والكهربائية والأنظمة المساعدة، مع ربط المجموعة على الشبكة.

المغزى هنا أن الزارة تُدار بمنطق “رفع الإتاحة والاعتمادية” (Availability & Reliability): أي تقليل الأعطال القسرية وتحسين استقرار التشغيل، لأن كل ساعة تشغيل مستقرة على حمل جيد هي مكسب مزدوج—في الطاقة المنتجة وفي الوقود المُوفَّر.

جندر: مشروع 12.4 مليون دولار لخفض التوقفات غير المخططة

إذا كانت الزارة تمثل مدرسة “تحسين الأداء في القلب الحراري للمرجل”، فإن جندر تمثل مدرسة “تثبيت محطة محورية على الشبكة عبر صيانة ممولة ومؤطرة”. ففي 10 شباط/فبراير 2026 تم الإعلان عن توقيع مذكرات منحة يابانية قدرها 1.952 مليار ين ياباني (نحو 12.4 مليون دولار) لتنفيذ مشروع يركز على صيانة الوحدتين 1 و2 في محطة جندر بحمص.

الأرقام هنا ليست للتجميل: الحديث عن استقرار إمداد يصل إلى نحو 540 ميغاواط إلى الشبكة العامة، وتنفيذ المشروع على مدى 24 شهراً، يعني أننا أمام خطة تستهدف معالجة جذور المشكلة لا أعراضها—تقييمات فنية لتحديد الأولويات، توريد قطع أصلية، إشراف ومتابعة، وتدريب للمهندسين والفنيين.

من زاوية تشغيلية، هذا النوع من التدخلات يصيب نقطة الضعف الأكثر كلفة في محطات التوليد: التوقفات غير المخططة (Forced Outages). فكل توقف قسري لا يضيع فقط ميغاواطات محتملة، بل يستهلك مخزون القطع، ويضغط على الكوادر، ويؤخر الصيانة الوقائية، ويزيد حساسية الشبكة لأي خلل في النقل أو الوقود. لذلك فإن نجاح مشروع جندر سيُقاس بقدرة المحطة على العمل “لساعات أطول على أحمال مستقرة” أكثر من قياسه بعدد الورشات أو الاجتماعات.

دير علي: 10.7 مليون دولار لاستعادة 120 ميغاواط بسرعة

أما دير علي، فتمثل نموذج التدخل “السريع عالي العائد”. ففي 11 شباط/فبراير 2026 أعلنت سانا عن اتفاقية بقيمة 10.7 ملايين دولار بين UNDP وحكومتي إيطاليا والنرويج لإعادة تأهيل محطة دير علي بريف دمشق، وتشمل إعادة تأهيل التوسعة الثانية (Extension II) عبر صيانة عاجلة وتوريد وتركيب قطع غيار حيوية وتدريب الكوادر.

وتشير التقديرات إلى أن المشروع سيسهم في استعادة نحو 120 ميغاواط من القدرة التوليدية، مع نفعٍ يُقدّر بأنه يتجاوز مليوني شخص في ريف دمشق ودرعا والقنيطرة والسويداء.

في ميزان الطاقة، قد يبدو رقم 120 ميغاواط محدوداً مقارنة بمحطات أكبر، لكنه في منظومة تعاني من فجوات تغذية واسعة، فإن “استعادة قدرة مضمونة” تعادل أحياناً إنشاء قدرة جديدة—لكن بكلفة وزمن أقل—خصوصاً عندما تكون الاستعادة قائمة على قطع حرجة تؤدي أعطالها إلى خروج وحدات كاملة عن الخدمة.

لماذا تتكامل هذه الجبهات الثلاث؟

الجامع بين الزارة وجندر ودير علي ليس فقط أنها محطات مهمة، بل أن ما يجري فيها يعكس فهماً واقعياً لأولويات سورية اليوم:

(1) رفع الكفاءة في النقاط التي تلتهم الوقود دون مردودٍ كافٍ، (2) تقليل الأعطال القسرية عبر قطع أصلية وصيانة مبرمجة، و**(3)** استعادة قدرات محددة بسرعة لتخفيف الضغط على الشبكة.

كما أن تنوع الجهات الداعمة—من اللجنة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر في تدخلٍ موجّه، إلى UNDP وشركائه المانحين في مشاريع ممولة ومنظمة—يشير إلى أن ملف الكهرباء لم يعد يُدار فقط كمسألة تشغيلية داخلية، بل كجزءٍ من “تعافي خدمات أساسية” حيث تلتقي الهندسة بالتمويل وبإدارة المخاطر. (وتؤكد اللجنة الدولية أنها تعمل في سورية بالشراكة مع الهلال الأحمر ضمن أنشطة أوسع لدعم الخدمات الأساسية).

في النهاية، يبقى الشرط الحاكم لظهور أثرٍ ملموس على ساعات الوصل هو اكتمال “سلسلة القيمة”: صيانة ناجحة + قطع متاحة + وقود كافٍ + شبكة قادرة على نقل ما يُنتج. لكن ميزة ما يحدث الآن أنه يستهدف أكثر الحلقات التي كانت تُفقد فيها الطاقة داخل المحطات نفسها—وهذا وحده فرقٌ كبير بين “تحسين على الورق” و“تحسن على الشبكة”.

هل أنت مهتم بعملنا ؟

في بوابة الطاقة المتجددة في سوريا نعمل على بناء قاعدة بيانات دقيقة وموثوقة للمناقصات والمشاريع. ندعو الجهات الحكومية، الشركات، والمنظمات للمساهمة معنا عبر مشاركة بياناتهم ومناقصاتهم، لنضعها بين يدي الباحثين والمستثمرين وندعم فرص التعاون والاستثمار إذا كانت لديكم معلومات أو مشاريع ذات صلة، تواصلوا معنا لنساهم معًا في بناء مستقبل طاقي أفضل.

Leave A Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *