عندما أغلقت إيران مضيق هرمز في 28 فبراير 2026، ردًا على الهجوم الأمريكي-الإسرائيلي، لم تكن سورية في دائرة الاستهداف المباشر، لكنها كانت من أوائل من تلقى الصدمة. ففي ظل هشاشة بنيتها الطاقية واعتمادها المتزايد على إمدادات الغاز المستوردة عبر الأردن، أصبحت البلاد عرضة لأي اضطراب إقليمي في أسواق الطاقة.
هذا التحليل يقدم قراءة رقمية معمقة لكيفية انتقال أزمة الطاقة الإقليمية إلى الداخل السوري، مع التركيز على البيانات الموثقة والتقديرات التحليلية المبنية على منهجية واضحة. الهدف ليس التنبؤ بالمستقبل فحسب، بل فهم آليات التأثير وقنوات الانتقال التي تربط سورية بأزمة أكبر بكثير من حجمها الجغرافي.
أولًا: ماذا يحدث إقليميًا في أسواق الطاقة؟
الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران (منذ 28 فبراير 2026)
اندلعت الحرب في 28 فبراير 2026 بهجوم أمريكي-إسرائيلي واسع على إيران. وفقًا للبيانات الرسمية، تم استهداف أكثر من 7,000 هدف عسكري وتجاري إيراني، بما في ذلك 90% من منصات إطلاق الصواريخ الباليستية وأكثر من 100 سفينة حربية إيرانية.
حقائق و أرقام
الحقائق الرئيسية (حتى 17 مارس 2026): • أكثر من 7,000 هدف مدمر في إيران • 21 سفينة تجارية على الأقل تم استهدافها في مضيق هرمز • أكثر من 30 سفينة زراعة ألغام إيرانية تم تدميرها • إغلاق فعلي لمضيق هرمز منذ 1 مارس 2026
استهداف بنية تحتية الغاز المسال في قطر
في تطور خطير، تعرض مجمع راس لفان الصناعي في قطر لضربات صاروخية إيرانية متكررة. وفقًا لبيانات QatarEnergy (19 مارس 2026)، أُعلنت حالة القوة القاهرة (Force Majeure) وأُجلاء حوالي 9,000 عامل من المنشآت.
التأثير الكمي: • توقف إنتاج LNG في أكبر منشأة في العالم • تأخير مشروع توسعة حقل North Field البالغة قيمته 30 مليار دولار • ارتفاع أسعار الغاز في أوروبا بنسبة 7% فور الإعلان عن الاستهداف
ثانيًا: لماذا تتأثر سورية بسرعة؟ قنوات انتقال الصدمة إلى الداخل السوري
تعاني سورية من هشاشة بنيوية في قطاع الطاقة تراكمت عبر 14 عامًا من الحرب والعقوبات. وفقًا لبيانات وزارة الطاقة السورية (يناير 2026):
1- كهرباء هشة تُدار على الوقود لا على الشبكة
- وفق وثيقة مشروع كهرباء طارئ للبنك الدولي: إجمالي الطاقة المزوّدة على الشبكة انخفض من 25.5 تيراواط ساعي (2011) إلى 17.1 تيراواط ساعي (2024) (–32.9%).
- “إمداد الوقود المتاح” بالكاد يكفي لتشغيل النظام عند حوالي 1800 ميغاواط، ما ينعكس في 2–4 ساعات كهرباء يوميًا في المتوسط.
- خسائر النظام (فنية/تجارية) مرتفعة (إجمالي خسائر النظام مذكور بنحو 33% في نفس الوثيقة)، ما يعني أن أي صدمة وقود/غاز تُترجم بسرعة إلى ساعات تغذية أقل بدل “امتصاصها” عبر كفاءة الشبكة.
2- الاعتماد على ترتيبات غاز “بالتمويل” وليس فقط ” بالأنبوب ” : حيث تعتمد سورية منذ مطلع 2026 على غاز يصل عبر الأردن:
- حجم متعاقد عليه “نحو 4 ملايين م³/يوم” (≈ 140 مليون قدم مكعب/يوم).
- تدفقات فعلية عند بدء التنفيذ تراوحت بين 30–90 مليون قدم مكعب/يوم.
- الغاز يصل إلى ميناء العقبة ويُضخ عبر خط الغاز العربي باتجاه محطة دير علي (وفق تقرير سابق لـ رويترز).
الأهم: التمويل يأتي من قطر (منحة/تمويل عبر صندوقها التنموي وفق رويترز)، أي أن استمرار الإمداد مرتبط بالقدرة المالية واللوجستية القطرية، والتي أصبحت هي نفسها تحت ضغط مباشر بعد تعطل LNG واستهداف راس لفان.
3-حساسية نقدية–مالية تجعل “الأسعار العالمية” تتحول سريعًا إلى تضخم :
تقييم مالي–اقتصادي للبنك الدولي يشير إلى تدهور طويل في سعر الصرف (مثلاً: من 47 ليرة/دولار في 2010 إلى نحو 14,800 في نهاية 2024 كتقدير مرجعي تاريخي)، مع تضخم تراكمي مرتفع (متوسط CPI 54.4% خلال 2011–2024 بحسب نفس المصدر).
هذا يعني أن أي زيادة في فاتورة استيراد الطاقة أو كلفة الشحن—حتى لو كانت بضع عشرات ملايين الدولارات شهريًا—تتحول إلى ضغط على العملة والقدرة الشرائية بسرعة أكبر من اقتصادات ذات احتياطي نقدي أعمق.
4-الاعتماد المتزايد على الإمدادات المستوردة :
بعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، سعت الحكومة الانتقالية لتنويع مصادر الطاقة وبدأت بالاعتماد على مصادر عربية بدلاً من الإيرانية. لكن هذا التحول جعل سورية أكثر تبعية للأسواق العالمية التي تتأثر بالأزمات الإقليمية.
مصادر الغاز الحالية لسورية: • الأردن: 4 ملايين متر مكعب يوميًا (1.5 مليار متر مكعب سنويًا) عبر خط العرب • تركيا/أذربيجان: 1.2-1.6 مليار متر مكعب سنويًا عبر خط كيليس-حلب • الإنتاج المحلي: حوالي 8 ملايين متر مكعب يوميًا (منخفض من 14 مليون قبل 2011)
حقائق و أرقام
نقطة الضعف الحرجة: تعتمد سورية على وحدة تسييل عائمة (FSRU) في ميناء العقبة الأردني حتى نهاية مارس 2026، وهي وحدة تستورد الغاز المسال من الأسواق العالمية بما في ذلك قطر. أي اضطراب في إمدادات الغاز المسال العالمية سيؤثر مباشرة على كميات الغاز الواصلة إلى سورية.
التأثيرات على سورية
1) ارتفاع كلفة الوقود المستورد فوراً
منذ 5 آذار/مارس، ارتفع خام برنت من 88.59 دولار/برميل إلى 101.04 دولار/برميل في 16 آذار، أي نحو +14.1%، وارتفع خام غرب تكساس من 80.88 إلى 93.39 دولار/برميل، أي +15.5%. هذا يعني أن أي شحنة وقود تتجه إلى سورية أصبحت أغلى حتى قبل احتساب الشحن والتأمين.
2) ضغط إضافي على الكهرباء والتقنين
سورية أصلًا تعمل ضمن نظام كهربائي هش؛ البنك الدولي يقدّر أن الوقود المتاح يشغّل الشبكة عند حوالي 1800 ميغاواط فقط، مع متوسط تغذية يقارب 2–4 ساعات يوميًا. لذلك أي نقص جديد في الغاز أو الفيول لا يُمتص داخل النظام، بل يترجم سريعًا إلى تقنين أشد.
3) خطر على إمدادات الغاز القادمة عبر الأردن
الاتفاق الخاص بإمداد سورية بالغاز عبر الأردن كان يستهدف نحو 4 ملايين متر مكعب يوميًا، مع تدفقات فعلية تراوحت بين 30 و90 مليون قدم مكعب يوميًا، وكان الهدف منه دعم التوليد الكهربائي. إذا تأثر التمويل أو الإمداد المرتبط بقطر أو بالنقل الإقليمي، فإن هذا يهدد جزءًا مهمًا من التحسن الكهربائي المتوقع في سورية.
4) ارتفاع كلفة الشحن والتأمين
أقساط مخاطر الحرب على السفن في الخليج قفزت من نحو 0.2–0.25% من قيمة السفينة إلى 1–1.5% في بعض الحالات. عمليًا، هذا يرفع كلفة وصول النفط والمشتقات إلى سورية حتى لو لم يحدث انقطاع مادي كامل في الإمدادات.
5) أثر مباشر على الأسعار داخل سورية
في اقتصاد ضعيف العملة ومرتفع التضخم، أي زيادة في فاتورة الطاقة تنتقل إلى:
المازوت والبنزين والغاز المنزلي
النقل والشحن الداخلي
الزراعة والري
تكلفة تشغيل المولدات الخاصة
أسعار الغذاء والسلع الأساسية
وهذا مهم جدًا لأن تكلفة كهرباء المولدات الخاصة قد تصل إلى 1.10 دولار/ك.و.س في بعض الحالات، ما يجعل أي نقص في كهرباء الشبكة مكلفًا جدًا على الأسر والمنشآت.
هل تشكل الأزمة فرصة لتسريع الطاقة المتجددة في سورية؟
نعم، لكن كـ“فرصة مضروطة” وليست وصفة سحرية، لأن نقطة الانطلاق ضعيفة جدًا:
- مساهمة الطاقة المتجددة المتقطعة (شمس/رياح) في مزيج الإمداد على الشبكة بقيت هامشية، لكنها ارتفعت من 0.1% (2020) إلى 0.4% (2024) وفق البنك الدولي.
- في المقابل، لجوء الأسر والمنشآت إلى بدائل “خارج الشبكة” أصبح سلوكًا اقتصاديًا مفروضًا، مع كلف مولدات الديزل التي قد تصل إلى 1.10$/ك.و.س—وهذا فجوة سعرية تخلق حافزًا قويًا لأي بديل شمسي/تخزين كلما توفر تمويل ومعدات.
لكن التوسع السريع يواجه ثلاثة قيود كبيرة، تتفاقم في أوقات التصعيد:
- تمويل واستيراد معدات: أي تشدد في النقل والتأمين يرفع كلفة استيراد مكونات الطاقة الشمسية والبطاريات (حتى لو لم تُشحن عبر هرمز), ويضغط على السيولة المحلية.
- شبكة غير جاهزة: ارتفاع الخسائر وإهتراء البنية يعني أن إدخال طاقة متجددة على نطاق واسع يحتاج أعمال تحديث/تحكم—وهي استثمارات طويلة وليست رد فعل أسبوعي.
- حوكمة وتعرفة: فجوة التعرفة/التكلفة والعجز المالي لقطاع الكهرباء تقلل القدرة على تصميم حوافز رسمية فعّالة (تعرفات شراء/صافي قياس) دون دعم خارجي أو إصلاح تدريجي.
الخلاصة التحليلية: التصعيد يرفع “قيمة” المرونة المحلية (شمس + تخزين + كفاءة)، لكنه في الوقت نفسه يرفع كلفة الوصول إليها، ما لم تُدار عبر برامج تمويل/منح واستيراد منظم. وفي سورية تحديدًا، المكاسب الأسرع غالبًا تكون عبر حلول لامركزية (أسطح/مضخات/بطاريات) تقليلًا للاعتماد على الوقود المستورد الذي يتأثر مباشرة بالسعر والتأمين.
خاتمة
المنعطف الذي بدأ عمليًا في 5 آذار/مارس 2026 هو انتقال الصراع من “مخاطر سياسية” إلى “مخاطر تشغيل طاقوي”: التأمين والشحن في الخليج أصبحا عامل تسعير بحد ذاته، ثم جاء استهداف منشآت/مراكز طاقة في 18 آذار ليحوّل التعطل من عبء لوجستي إلى احتمال ضرر مادي ممتد—خصوصًا في الغاز المسال القطري.
بالنسبة لسورية، الرقم الأكثر دلالة ليس سعر البرميل وحده، بل حقيقة أن الشبكة تعمل عند سقف وقود يقارب 1800 ميغاواط وبمتوسط 2–4 ساعات تغذية، وأن جزءًا ملموسًا من أي تحسن كهربائي حديث يرتبط بترتيبات غاز عبر الأردن ممولة قطريًا. لذلك، صدمة الخليج تُترجم محليًا عبر قناتين متزامنتين: كلفة استيراد أعلى واحتمال انقطاع إمداد/تمويل—وكلاهما ينعكس بسرعة على الكهرباء والوقود والنقل والأسعار.
الرسالة الأساسية بالأرقام: أي اضطراب إقليمي يرفع برنت بنحو 10–15% خلال أسبوعين—مع قفزات تأمين قد تعادل عدة دولارات إضافية للبرميل—يكفي لإحداث أثر اقتصادي ملموس في دولة ذات قدرة امتصاص محدودة وعجز كهربائي مزمن. وفي المقابل، فإن تقليل الاعتماد على الوقود المستورد عبر حلول متجددة لامركزية وكفاءة الطاقة ليس ترفًا “انتقاليًا”، بل أصبح—على ضوء هذه الأزمة—جزءًا من أمن الطاقة اليومي لسورية.