يشهد قطاع الطاقة في سوريا تحولات محتملة قد تشكل نقطة مفصلية في مسار إعادة الإعمار، مع الإعلان عن تطورات التعاون بين وزارة الطاقة السورية وشركة Siemens Energy الألمانية. ويأتي هذا التعاون في وقت تعاني فيه البلاد من عجز كبير في إنتاج الكهرباء، وتراجع في كفاءة البنية التحتية نتيجة سنوات الحرب والتحديات الاقتصادية.
وبحضور الرئيس السوري أحمد الشرع، ووزير الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني، ووزير الطاقة محمد البشير، إلى جانب عدد من كبار المسؤولين وممثلي شركة UCC Holding وشركة Siemens Energy، وقع اتحاد دولي بقيادة شركة UCC Holding، عبر شركتها التابعة UCK Power، اتفاقيتي حجز سعات إنتاج للتوربينات والمعدات في مصانع Siemens Energy.
وتغطي الاتفاقيتان توريد حزم طاقة بنظام الدورة المركبة لمشروعي محطتي زيزون ودير الزور لتوليد الكهرباء في سوريا، بقدرة مخططة تبلغ نحو 1000 ميغاواط لكل محطة، مع تأمين قدرة تصنيع مخصصة للمكونات الحيوية، بما يشمل التوربينات الغازية المتقدمة والأنظمة المرتبطة بها. وقد وقع الاتفاقيتين كل من أحمد السري، نائب الرئيس الأول ورئيس وحدة الخدمات الإقليمية في الشرق الأوسط لدى Siemens Energy، ومعتز الخياط، رئيس مجلس إدارة UCC Holding.
تندرج اتفاقيات حجز سعات التصنيع ضمن برنامج أوسع لإعادة تأهيل وتوسيع قدرة سوريا على توليد الكهرباء. ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2025، وقع تحالف UCC اتفاقيات امتياز نهائية مع وزارة الطاقة السورية لبناء وتشغيل ثماني محطات توليد بقدرة إجمالية تصل إلى 5000 ميغاواط. ويشمل البرنامج أربع محطات تعمل بالغاز الطبيعي بنظام الدورة المركبة، وهي:
كما يتضمن البرنامج مشاريع طاقة شمسية متجددة بقدرة إجمالية تبلغ 1000 ميغاواط موزعة على أربعة مواقع في ريف دمشق ودير الزور وحلب وحمص. وتمثل هذه المشاريع أول نموذج شراكة متكامل بين القطاعين العام والخاص في قطاع الطاقة السوري، ومن المتوقع أن تسهم في توفير عشرات الآلاف من فرص العمل خلال مرحلتي الإنشاء والتشغيل.
من المهم توضيح أن ما أُعلن عنه حتى الآن لا يمثل عقودًا تنفيذية نهائية، بل يندرج ضمن إطار مذكرات تفاهم واتفاقيات أولية من نوع حجز سعات التصنيع. وعادة ما تُستخدم هذه المرحلة من الاتفاقيات من أجل:
وبالتالي، فإن الاتفاقية تمثل خطوة استراتيجية مهمة، لكنها لا تعني أن التنفيذ الفعلي قد بدأ بالفعل. فالانتقال إلى مرحلة التنفيذ يتطلب استكمال عدد من الشروط الأساسية، في مقدمتها تأمين التمويل، والحصول على الموافقات القانونية، وتوقيع العقود الملزمة.
تمتلك Siemens سجلًا سابقًا في السوق السورية قبل عام 2011، إذ أسهمت في تنفيذ عدد من المنشآت الرئيسية في قطاع الكهرباء، أبرزها محطة دير علي بقدرة 1.5 غيغاواط، والتي لا تزال تعد الأكبر في البلاد. كما شاركت في إنشاء محطات تحويل كهربائية متعددة على مستويات جهد مختلفة. ويعكس هذا الحضور السابق معرفة تقنية بالسوق السورية والبنية التحتية الكهربائية فيها، وهو ما قد يمنح الشركة أفضلية نسبية في حال انتقال المشاريع الجديدة إلى مرحلة التنفيذ الفعلي.
رغم الأهمية الاستراتيجية لهذه الاتفاقية، لا يزال تنفيذ المشاريع يواجه تحديات كبيرة. فلا يوجد حتى الآن جدول زمني واضح لبدء الأعمال، رغم تداول تقديرات تشير إلى أن التنفيذ قد يستغرق نحو سنتين إلى ثلاث سنوات بعد انطلاقه فعليًا. غير أن هذا الإطار الزمني يظل مشروطًا باستكمال الإغلاق المالي والتوقيع على العقود النهائية.
وعلى الصعيد القانوني، ورغم حصول بعض التخفيف في العقوبات، لا تزال هناك قيود مؤثرة تتعلق بـ:
وتفرض هذه العوامل تعقيدات إضافية على أي مشروع واسع النطاق في قطاع الطاقة داخل سوريا.
رغم أن الإعلانات الصادرة في 30 مارس تمنح مؤشرات إيجابية وتفتح باب التفاؤل، فإن هناك جملة من الأسئلة التي لا تزال بلا إجابة واضحة. فإعادة إعمار قطاع الطاقة في سوريا لا تتوقف على التفاهمات التقنية وحدها، بل ترتبط أيضًا بقدرة الأطراف المعنية على تجاوز العقبات المالية والقانونية والسياسية. كما أن سجل المنطقة حافل باتفاقيات بقيت حبيسة التوقيع ولم تنتقل إلى التنفيذ.
إضافة إلى ذلك، تسهم التطورات الإقليمية والاضطرابات المحيطة بسوريا في زيادة حالة عدم اليقين، ما يجعل نجاح مثل هذه المشاريع مرتبطًا بدرجة كبيرة باستقرار البيئة التشغيلية والسياسية خلال السنوات المقبلة.
تمثل اتفاقية التعاون بين وزارة الطاقة السورية وSiemens Energy فرصة استراتيجية مهمة لإعادة بناء جزء من قدرات التوليد الكهربائي في سوريا، خاصة في ظل الحاجة الملحة إلى مشاريع كبيرة وموثوقة في هذا القطاع. ومع ذلك، لا يزال المشروع في مرحلة مبكرة، ونجاحه سيعتمد على قدرة الأطراف على تحويل التفاهمات الحالية إلى عقود تنفيذية وتمويل فعلي ضمن بيئة قانونية ومالية معقدة. وبالنسبة إلى Siemens Energy، تبدو هذه الخطوة بمثابة بداية رسمية لالتزام طويل الأجل، لكن الحكم الحقيقي سيظل مرهونًا ببدء التنفيذ على الأرض.