تقدير استهلاك الكهرباء دون عدادات في سورية: قراءة سياسية لقرار 400 ك.و.س وتمديد مناقصة العدادات الذكية

أعلنت المؤسسة العامة لنقل وتوزيع الكهرباء في سورية آلية مؤقتة لاحتساب استهلاك المشتركين المنزليين غير المقدّمين بعدادات أحادية الطور، عبر اعتماد تقدير موحّد قدره 400 كيلو واط ساعي لكل دورة (شهرين)، وذلك انسجامًا مع التعرفة الكهربائية الجديدة النافذة اعتبارًا من 1/11/2025. تبدو الخطوة للوهلة الأولى إجراءً إداريًا، لكنها في الواقع تعكس توجهًا سياسيًا لإدارة الندرة وضبط الإيرادات في ظل فجوة القياس (غياب العدادات) واستمرار التقنين.

اقتصاديًا، تتحول الفاتورة من “قراءة استهلاك” إلى “قيمة مقدّرة” تضمن حدًا أدنى من التحصيل وتقلل النزاعات الناجمة عن اختلاف التقديرات بين المناطق. ووفق الآلية، يُحاسَب غير المعفيين من التقنين على أول 300 ك.و.س بسعر 600 ل.س/ك.و.س والمتبقي (100 ك.و.س) بسعر 1400 ل.س/ك.و.س، بينما يُحاسَب المعفيون من التقنين على كامل 400 ك.و.س بسعر 1700 ل.س/ك.و.س. هذا التمييز السعري يحمل رسالة سياسية: انتظام الخدمة يُعامل كقيمة أعلى يجب أن تُسعّر أعلى.

لكن لماذا تستمر الحاجة للتقدير بدل القياس؟ هنا يبرز عامل مهم: مسار العدّادات الذكية نفسه ما يزال في مرحلة مناقصات وتعديلات وتمديدات. فقد صدر تنويه وتمديد لمناقصة توريد العدادات الذكية رقم 4/2025 تضمن تمديد الإغلاق حتى 15/3/2026 وتحديد جلسة المناقصة في 16/3/2026، إضافة إلى تعديل شروط التوريد (دفعة أولى خلال 4 أشهر ثم توريد شهري على دفعات كبيرة للوصول للكمية المطلوبة خلال 3 سنوات)، وتعديل الضمان وإلغاء التأمينات الأولية.

هذه المؤشرات تُقرأ سياساتيًا على أنها اعتراف ضمني بأن “حل القياس” لن يكون فوريًا، وأن الإدارة تحتاج أدوات انتقالية لضمان استمرارية الفوترة وتوحيد الإجراءات.

مثال سريع لتقدير 400 ك.و.س
يعرض فاتورة الدورة (شهرين) والمتوسط الشهري
400 ك.و.س / دورة
فاتورة الدورة (شهرين)
متوسط شهري تقريبي

 

اجتماعيًا، التقدير الثابت قد يكون غير عادل لفئات منخفضة الاستهلاك (أو منازل غير مأهولة)، لأنها تدفع قيمة مفترضة حتى لو كان الاستهلاك الحقيقي أقل. ومن زاوية إدارة الطلب، التقدير يضعف الحافز الفردي للترشيد لأن الاستهلاك غير مقاس ضمن الفوترة، وإن كان أثر ذلك يتقاطع مع واقع التقنين الذي يحد الاستهلاك فعليًا.

لكي تتحول هذه الآلية من حل إسعافي إلى خطوة إصلاحية، لا بد من ربطها بخارطة طريق تركيب عدادات واضحة ومعلنة، وفتح قناة اعتراض وتصحيح للحالات الخاصة، ودفع خيار العدادات الذكية/مسبقة الدفع كحل يقلل المتأخرات ويرفع الشفافية. وبذلك يصبح التقدير الموحد “جسرًا مؤقتًا” نحو قياس فعلي، لا سياسة دائمة تُفاقم حساسيات العدالة.

Leave A Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *