انضمام سورية إلى “آيرينا” IRENA: ماذا يعني؟ وما الذي يتغيّر فعلاً؟

استمع للمقالة

مقدمة وتعريف عن IRENA

في وقت تتزايد فيه كلفة الاعتماد على الوقود الأحفوري، وتتعاظم فيه تحديات أمن الطاقة وإعادة تأهيل البنية التحتية، يبرز خيار الطاقة المتجددة كمسار عملي لسوريا: ليس فقط لتأمين كهرباء أكثر استقراراً على المدى المتوسط، بل أيضاً لتقليل فاتورة الاستيراد، وخلق فرص عمل محلية في مشاريع الشمس والرياح وكفاءة الطاقة.

ضمن هذا السياق، يكتسب الحديث عن الانضمام إلى الوكالة الدولية للطاقة المتجددة (IRENA – أيرينا) أهمية خاصة، لأن عضوية الوكالة تفتح الباب أمام الاستفادة من خبرات دولية، وأدوات تحليل وسياسات جاهزة وقنوات تعاون وتمويل ومبادرات إقليمية مرتبطة بالتحول الطاقي.

شهدت سورية في الأسابيع الأخيرة إعلاناً رسمياً عن التقدم باتجاه تثبيت العضوية في الوكالة الدولية للطاقة المتجددة “ايرينا” (IRENA)، بالتزامن مع مشاركة وفد سوري في أعمال الدورة السادسة عشرة للجمعية العامة للوكالة في أبوظبي.

من هي IRENA؟

(International Renewable Energy Agency)

  • الوكالة الدولية للطاقة المتجددة (IRENA) هي منظمة حكومية دولية أنشئت عام 2009 لدعم التحول العالمي نحو الطاقة المتجددة، وتعمل كمنصة دولية متخصصة في هذا المجال وتضم حالياً 170 دولة.

  • تتمثل مهمتها في دعم الدول الأعضاء لتسريع تبني الطاقة المتجددة عبر تقديم بيانات ومعرفة والخبرات الفنية، وبناء القدرات وتحليل السياسات والأسواق عبر استبيانات رسمية، وتوفير أدوات تساعد الحكومات والمستثمرين على اتخاذ قرارات أفضل.

  • تعمل الوكالة من خلال مكاتب رئيسية أبرزها المقر في أبو ظبي ومكتب مركز الابتكار والتكنولوجيا في بون في ألمانيا.

  • تعمل ايرينا أيضاً على دعم تطوير مشاريع متجددة لتصبح جاهزة للاستثمار عبر برامج ومنصات والمطابقة مع جهات التمويل والشركاء.

الرؤيا ودوافع الانضمام

تأتي خطوة انضمام سوريا إلى IRENA في سياق الحاجة إلى تحسين الأمن الطاقي وتقليل الاعتماد على الوقود المستورد، في ظل تراجع الإنتاج الكهربائي وتضرر البنية التحتية وتكرار الانقطاعات التي تؤثر على الخدمات الأساسية.

ويتيح الانضمام الاستفادة من خبرة دولية وأطر سياسات مبنية على بيانات، إضافة إلى فتح قنوات للتعاون الفني والشراكات وربط الأولويات الوطنية بمسارات التمويل والدعم المرتبطة بالطاقة المستدامة، مع بقاء جدوى ذلك مرهونة بالقدرة على تهيئة بيئة تنفيذية داخلية.

النفع على مستوى الدولة والقطاع

وفق ما نقلته الجهات الرسمية، تقدم خطوة تثبيت عضوية سورية كخيار استراتيجي لدعم التعافي الاقتصادي عبر خفض كلفة الطاقة بالاعتماد على الموارد المتجددة المحلية، وتطوير سياسات حديثة، وفتح قنوات التمويل الأخضر. وهنا تكون الفائدة المتوقعة على ثلاثة محاور:

  1. معرفة وخبرة دولية جاهزة للاستخدام: سياسات، أدوات تدريب، وبيانات تساعد على تقليل أخطاء التجربة والخطأ.

  2. تعزيز المصداقية المؤسسية: وجود سورية على طاولة المنظمة العالمية المختصة بالمتجددة يسهل لغة مشتركة مع ممولين وشركاء تقنيين، ولو أن ذلك لا يلغي تعقيدات الواقع المالي والقانوني.

  3. دعم التخطيط بعيد المدى: الانتقال من حلول إسعافية إلى مسارات (كفاءة طاقة + طاقة متجددة + تطوير شبكة + تخزين) وفق أولويات وطنية.

النفع على مستوى المستثمرين والسوق

  • تقارير IRENA وأدواتها قد تساعد في تسعير وإدارة المخاطر وفهم نماذج الأعمال الأنسب (محطات شمسية ريحية، حلول لامركزية، ضخ وتخزين…).

  • العضوية قد تُسهل إدراج سورية ضمن برامج تعاون إقليمي ومعرفي، لكن التمويل الفعلي سيظل مرتبطاً بجودة المشاريع والإطار التعاقدي والظروف الاقتصادية.

النفع على مستوى المواطن

الفائدة “الملموسة” للمواطن لا تأتي من العضوية كشعار، بل من ترجمتها إلى مشاريع وسياسات تؤدي إلى:

  • كهرباء أكثر استقراراً تدريجياً.

  • تخفيف كلفة الطاقة على المدى المتوسط (خصوصاً في الشمسية اللامركزية).

  • فرص عمل محلية في التركيب والصيانة وسلاسل الإمداد.

  • أثر بيئي أفضل وتقليل الاعتماد على الوقود المكلف والمتذبذب.

 

شروط وسير عملية الانضمام

أولاً: من يحق له الانضمام؟ وفق النظام الأساسي لـ IRENA، العضوية متاحة للدول الأعضاء في الأمم المتحدة وكذلك لبعض المنظمات الإقليمية.

ثانياً: ما هو “مسار الانضمام” في حالة سورية تحديداً؟ صفحات العضوية في IRENA تذكر سورية ضمن الدول التي وقعت النظام الأساسي سابقاً ولم تكمل التصديق بعد، ما يعني أن استكمال العضوية يكون عبر التصديق وإيداع صك التصديق. حسب مذكرة IRENA الخاصة بعضوية الدول الموقعة (مسار التصديق)، تمر العملية عملياً بهذه الخطوات الأساسية:

  1. استكمال الإجراءات الدستورية الداخلية للتصديق حسب النظام الدستوري الوطني.

  2. إعداد صك التصديق بشكل رسمي.

  3. إيداع صك التصديق لدى الجهة المودع لديها النظام الأساسي (وهنا حكومة ألمانيا)، عادة عبر القنوات الدبلوماسية والسفارة في برلين.

  4. تصبح العضوية نافذة بعد 30 يوماً من تاريخ الإيداع.

ثالثاً: هل هناك رسوم انضمام؟ وما طبيعة الالتزامات المالية؟ لا تعمل IRENA عادة بمنطق رسم تسجيل ثابت مرة واحدة، بل بآلية مساهمات إلزامية سنوية لتمويل الأنشطة الأساسية والتكاليف الإدارية، وتحتسب وفق مقياس الأمم المتحدة للأنصبة (UN assessments of scale) كما يقرره أعضاء الجمعية العامة للوكالة.

ومن التفاصيل العملية المهمة في اللوائح المالية للوكالة:

  • المساهمات الإلزامية تكون مستحقة الدفع وفق آليات تبليغ محددة، وتدفع بالدولار الأمريكي.

  • بالنسبة للأعضاء الجدد، تبدأ المساهمة من بداية الشهر التالي للشهر الذي تصبح فيه الدولة عضواً.

  • في حال تراكم المتأخرات، قد تُطبق قيود على حقوق التصويت.

 

الحقوق والواجبات المترتبة على الأعضاء

حقوق الدولة عند اكتمال العضوية:

  • حق المشاركة الكاملة في الجمعية العامة (أعلى سلطة في الوكالة) وحق التصويت (صوت واحد لكل عضو).

  • الاستفادة من “خدمات الوكالة لصالح الأعضاء”، مثل: التحليل والرصد، المشورة السياسية عند الطلب، بناء القدرات والتدريب، المساعدة في فهم آليات التمويل، ودعم نقل المعرفة والتقنيات، والتوصيل مع المنظمات الدولية القائمة بمشاريع طاقة.

  • استلام الأعضاء لتقارير سنوية حول نشاطات الوكالة.

  • يتم إبلاغ الأعضاء بتوصيات الوكالة المتعلقة بالسياسات بعد تقديمها.

  • الانتقال من وضع “مراقب / موقع غير مصدق” (الذي يسمح بالحضور دون تصويت) إلى عضوية كاملة بصلاحيات أوسع.

الواجبات الأساسية على العضو:

  • الالتزام بالنظام الأساسي للوكالة، واحترام الطابع الدولي المستقل لعمل الأمانة العامة وعدم التأثير على موظفي الوكالة.

  • سداد المساهمات المالية الإلزامية ضمن الأطر المحددة. (فقدان حق التصويت عند التأخر عن الدفع إذا بلغت المتأخرات مساهمات سنتين، مع إمكانية استثناء بقرار من الجمعية العامة إذا كانت الأسباب خارجة عن السيطرة).

  • تسوية النزاعات التفسيرية أو التطبيقية بالوسائل السلمية.

  • حضور اجتماع الجمعية العامة من قبل ممثلي دول الأعضاء الذي يعقد سنوياً.

 

الإطار التشريعي والتنظيمي لانضمام سورية لوكالة IRENA

ماذا يحتاج القطاع السوري ليستفيد من العضوية؟ العضوية بحد ذاتها لا تشغل محطة شمسية ولا تصلح شبكة كهرباء ولكنها تصبح “رافعة” إذا ترافقت مع إطار محلي واضح وقابل للتطبيق. في سورية توجد بالفعل ركائز تشريعية يمكن البناء عليها، من أبرزها:

  • قانون الكهرباء رقم 32 لعام 2010: الذي يتضمن توجهاً لدعم وتشجيع استخدام الطاقات المتجددة والسماح بأشكال استثمار متنوعة في التوليد والتوزيع.

  • تعديلات لاحقة: لتعزيز دعم إنتاج الكهرباء من المصادر التقليدية والمتجددة (قانون رقم 41 لعام 2022 كتعديل على قانون 32/2010).

  • إطار قانوني مرتبط بشراء الكهرباء من مشاريع متجددة وأدوات دعم تمويل وطنية (مثل قانون شراء الكهرباء من مشاريع الطاقة المتجددة، وإنشاء صندوق دعم استخدام الطاقات المتجددة وكفاءة الطاقة).

كيف تساعد IRENA هنا؟ IRENA ليست “مشرعاً” داخل سورية، لكنها تقدم خبرة مقارنة وأدوات تساعد على:

  • تصميم حجم المزاد، التأهيل المسبق، قواعد المنافسة، معايير اختيار الفائز، آلية التسعير، المقاصة، الجزاءات وضمانات التنفيذ ونظام مناقصات متجددة.

  • توضيح دور الـ PPA كعقد أساسي يرفع قابلية التمويل (bankability) عبر توضيح الإيرادات طويلة الأمد وتقاسم المخاطر والمسؤوليات.

  • تحسين إجراءات الترخيص والربط على الشبكة: تحديد سقف القدرة + تحديث كود ربط متجددة + إجراءات اختبار وقبول قبل التشغيل + متطلبات حماية ومعايير جودة طاقة حسب مستوى الجهد.

  • نوع العدادات، طريقة ترحيل الرصيد، التعرفة، سعر التعويض، وتخفيف المخاطر الاستثمارية عبر قواعد أكثر وضوحاً وشفافية (مثلاً خلال FIT التي تؤمن عقد شراء طويل الأمد بسعر محدد/منظم يخلق بيئة مستقرة للمستثمرين)، وغالباً مع تسهيل النفاذ للشبكة (خصوصاً لمشاريع التوليد الخاص اللامركزي والـ mini-grids).

  • بناء قواعد بيانات وقياسات تساعد في اختيار مواقع المشاريع وتخطيط الشبكة.

الخلاصة التشريعية: الاستفادة القصوى تتطلب مواءمة بين التشريعات السورية واحتياجات “الاستثمار القابل للتمويل”، بحيث تصبح القوانين قابلة للتطبيق بسرعة وبكلفة تعاقدية معقولة، مع وضوح آليات التحكيم، والضمانات، والجدارة الائتمانية للمشتري، والحوكمة.

التحديات

لكن ترجمة العضوية إلى مشاريع ونتائج تتطلب معالجة تحديات واضحة: جاهزية الشبكات، القدرة المؤسسية، توفر المعدات وسلاسل الإمداد، والقيود المالية؛ لأن العضوية بحد ذاتها لا تنشئ مشروعات تلقائياً، بل تفتح أدوات ومسارات يجب أن تُدار محلياً ضمن أولويات وخطة تنفيذ.

ختاماً

يعني أن سورية عند استكمال التصديق وإيداع صكه ستصبح عضواً كاملاً في المنظمة الدولية الأهم المتخصصة بالطاقة المتجددة، بما يمنحها حق التصويت والمشاركة في صنع التوجهات الدولية، والأهم الوصول المنهجي إلى خبرة فنية وسياسات وأدوات وتمارين بناء قدرات تساعد على تسريع مشاريع الطاقة المتجددة وتحديث القطاع.

وفي المقابل، العضوية ليست تمويلاً تلقائياً ولا مشروعاً جاهزاً: هي منصة وفرصة نجاحها مرتبط بسرعة ترجمتها محلياً إلى تشريعات قابلة للتطبيق، ومشاريع قابلة للتمويل، وقدرة على الوفاء بالالتزامات المالية والمؤسسية للوكالة.

هل أنت مهتم بعملنا ؟

في بوابة الطاقة المتجددة في سوريا نعمل على بناء قاعدة بيانات دقيقة وموثوقة للمناقصات والمشاريع. ندعو الجهات الحكومية، الشركات، والمنظمات للمساهمة معنا عبر مشاركة بياناتهم ومناقصاتهم، لنضعها بين يدي الباحثين والمستثمرين وندعم فرص التعاون والاستثمار إذا كانت لديكم معلومات أو مشاريع ذات صلة، تواصلوا معنا لنساهم معًا في بناء مستقبل طاقي أفضل.
jakob profile web

م.خالد الأسعد

كاتب المقال ومدير الفريق

wafaa web

وفاء المنير

مساهم

Hanin stef

م. حنين صطيف

مساهم

ABDULRAHMAN ABDULLAH

م. عبدالرحمن عبدالله

مساهم

Leave A Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *