في مشهد يعكس بداية التحول الحقيقي نحو الطاقة النظيفة في سورية، افتتحت المؤسسة العامة لنقل وتوزيع الكهرباء ثلاث منشآت جديدة لتوليد الطاقة الكهربائية العاملة بالطاقة الشمسية في منطقة الناصرية بريف دمشق، باستطاعة كلية تبلغ 15 ميغاواط. هذه الخطوة، التي جاءت بإشراف مباشر من المهندس خالد أبو دي، تمثل ليس فقط توسعاً في البنية التحتية الكهربائية، بل مؤشراً على نضوج بيئة الاستثمار في قطاع الطاقات المتجددة السوري بعد سنوات من التحديات. فالمشاريع الثلاثة الجديدة، التي تبلغ استطاعة كل منها 5 ميغاواط، تأتي ضمن خطة استراتيجية لتوسيع مشاركة الطاقات النظيفة في مزيج الكهرباء الوطني، وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري الذي يرهق الاقتصاد ويثقل كاهل قطاع الكهرباء.
ما يميز هذه المشاريع هو بعدها التقني والاقتصادي في آنٍ واحد؛ فهي تضيف إنتاجاً فعلياً إلى الشبكة العامة خلال ساعات النهار، مما يخفف الأحمال عن الشبكات التقليدية ويحدّ من الفاقد في أوقات الذروة. وأكد المهندس أبو دي أن المحطات الجديدة خضعت لتدقيق فني صارم لضمان مطابقتها للمواصفات العالمية، مشيراً إلى أن الهدف من زيارتهم الميدانية لم يكن فقط الافتتاح الرمزي، بل أيضاً الاستماع لملاحظات المستثمرين وتحسين دفاتر الشروط للمشاريع القادمة. هذا التوجه يدلّ على أن الحكومة بدأت تتعامل مع قطاع الطاقات المتجددة بوصفه قطاعاً إنتاجياً حيوياً، لا تجريبياً، وأنها تتجه نحو بناء شراكة عملية مع القطاع الخاص المحلي.
وبتحليل أعمق للبيانات التي قدّمها مدير المؤسسة، يمكن القول إن سورية تقف اليوم على عتبة مرحلة جديدة من التوسع في مشاريع الطاقة النظيفة. فعدد المشاريع الصغيرة التي دخلت الخدمة حتى الآن لا يتجاوز عشرة مشاريع، إلا أن افتتاح ثلاث محطات جديدة ووجود أربع أخرى قيد الافتتاح خلال الأسبوع القادم يعني أن البلاد ماضية بخطى أسرع نحو تحقيق استقرار جزئي في منظومة الإنتاج المتجدد. هذه المشاريع، البالغ مجموع استطاعتها التشغيلية نحو 250 ميغاواط، تمثل نحو 10% من إجمالي الاستطاعات المتجددة المرخصة حتى الآن، فيما تبلغ الاستطاعات المرخصة قيد التنفيذ نحو 450 ميغاواط، أي أكثر من 25% من الإجمالي المتوقع خلال المرحلة القادمة. هذا يعني عملياً أن الطاقة الشمسية في سورية بدأت تتحول من مبادرات محدودة إلى صناعة وطنية ناشئة، تمتلك بنية تشريعية قيد التطوير وسوقاً واعدة قادرة على استقطاب استثمارات جديدة محلية وخارجية.
ما يحدث في الناصرية اليوم هو أكثر من افتتاح تقني لمحطات كهرباء؛ إنه إعلان ضمني عن ولادة بيئة جديدة في التفكير الطاقي السوري، بيئة تدرك أن المستقبل لا يمكن أن يُبنى إلا على تنويع مصادر الطاقة وتحرير الاقتصاد من عبء الفيول المستورد. ومع استمرار الجهود الحكومية في ترخيص مشاريع جديدة وتسهيل الربط بالشبكة العامة، فإن السنوات القليلة المقبلة قد تشهد تضاعف القدرة المنتجة من الطاقة المتجددة، لتصل إلى أكثر من 700 ميغاواط قبل عام 2030، وهو تطور كفيل بإعادة رسم خريطة الطاقة في سورية وفتح آفاق غير مسبوقة أمام المستثمرين في هذا القطاع الاستراتيجي.