في مقابلة نادرة مع برنامج "صالون الجمهورية"، كشف المدير التنفيذي يوسف قبلاوي عن أرقام غير مسبوقة تتعلق بالإنتاج والاستثمار وإعادة الهيكلة — تضع الشركة السورية للبترول في قلب مرحلة انتقالية حاسمة.
منذ أواخر يناير 2026، حين استعادت الحكومة السورية الجديدة السيطرة على حقول النفط والغاز في دير الزور والحسكة وحمص، انطلق مسار إعادة بناء القطاع النفطي بوتيرة لافتة. وفي مقابلة موسّعة مع المدير التنفيذي للشركة السورية للبترول، المهندس يوسف قبلاوي، تكشّفت للمرة الأولى أرقام تفصيلية نادراً ما تُناقَش بهذه الصراحة: من مستويات الإنتاج التاريخية وتحديات البنية التحتية، إلى سلّم رواتب جديد بمعايير دولية، ومفاوضات مع شركات نفط عملاقة.
تستعرض هذه المادة الأرقام والحقائق الواردة في المقابلة مرتّبةً ومحلَّلة، في سياقها الكامل.
القصة النفطية السورية لا تبدأ من الأزمة ولا من إعادة الإعمار — بل من حقل قراتشوك عام 1956، حيث اكتُشف أول نفط تجاري في سوريا. تلاه اكتشاف حقل السويدية عام 1962، ثم بلغ أول برميل سوري ميناءَ طرطوس عام 1968 حين كان الإنتاج لا يتجاوز 21,000 برميل يومياً.
حين استلمت الإدارة الجديدة الحقول في يناير 2026، كان الإنتاج عند 15,000 برميل يومياً فحسب — أقل من 4% من الذروة التاريخية. منذ ذلك الحين اتبعت الشركة سياسة تدرّج مدروسة، مع تقييم فني شامل لكل حقل قبل رفع الإنتاج:
| المرحلة | الإنتاج (برميل/يوم) | الملاحظة |
|---|---|---|
| لحظة الاستلام (يناير 2026) | 15,000 | الوضع الموروث عند استعادة الحقول |
| المرحلة الأولى | 110,000 | أول ارتفاع ملموس بعد الإصلاحات الفورية |
| المرحلة الثانية | 115,000 | استمرار تأهيل الآبار |
| المرحلة الثالثة | 122,000 | توسعة تشغيلية في حقول الحسكة |
| المستوى الحالي | 133,000 | المستوى المُعلَن حين إجراء المقابلة |
| الحقل | الإنتاج التاريخي | الإنتاج الحالي | الهدف المستقبلي | ملاحظة |
|---|---|---|---|---|
| رميلان | — | 80,000 | 200,000 (2027) | الأكبر حجماً في الإنتاج الحالي |
| العمر | 80,000 (أواخر الثمانينيات) | 5,000 | 30,000–35,000 (قريباً) | انهار إلى 15,000 عام 1991 بسبب الاستنزاف؛ دُمّر لاحقاً |
| التنك | — | 2,000 | — | في طور التأهيل المبكر |
| الأفق الزمني | الهدف (برميل/يوم) | النمو المطلوب من 133,000 |
|---|---|---|
| نهاية عام 2026 (الحالي) | ~150,000 | +13% |
| نهاية عام 2027 | 300,000–350,000 | +125%–163% |
| نهاية 2029 / مطلع 2030 | 800,000 | +501% — يتجاوز الذروة التاريخية |
الهدف طويل الأمد البالغ 800,000 برميل/يوم يتجاوز الذروة التاريخية لعام 2002 (622,000 برميل) بنسبة 28%، وهو رقم طموح يستلزم توافر استثمارات أجنبية ضخمة، وإصلاح شبكة الأنابيب، واستكشافاً ناجحاً في البلوكات البرية والبحرية غير المحفورة حتى الآن.
| الخط | الطول / التفاصيل | الحالة | التكلفة / التأثير |
|---|---|---|---|
| رميلان – طرطوس (الداخلي) | — | 280 ثقباً — الإصلاح جارٍ خلال 8 أسابيع (4 مضت) | سيُشغَّل بضغط 30–35 بار بدلاً من 70 بار — توفير 10 دولار/برميل تكلفة الصهاريج |
| كركوك – بانياس (العراقي) | ~500 كم | مدمّر كلياً من البوكمال إلى حمص | يحتاج سنتين لإعادة التأهيل الكامل |
| خط الغاز العربي | 180–190 كم (حمص – حلب) | عقد موقّع مع ائتلاف محلي-دولي | يربط البنية التحتية للغاز بين الوسط والشمال |
تستهلك مصفاة حمص يومياً 30,000 برميل من النفط الثقيل لإنتاج 30,000 برميل من المشتقات (بنزين، ديزل، ومشتقات أخرى). وتعمل الشركة حالياً على طرح عقود لشركات محلية لبناء 22 خزاناً في مصفاتي بانياس وطرطوس، مع دفع مقدّمات تصل إلى 50% من قيمة العقد لتمكين المقاولين المحليين من تأمين المعدات.
تتوزع على الأراضي السورية 17 بلوكاً برياً تعادل مساحتها الإجمالية مساحة لبنان مرتين — لم تُحفَر فيها ولا بئر استكشافية واحدة حتى الآن. تكلفة البئر البري تتراوح بين 5 و8 ملايين دولار، لكن دورة الحفر حتى الإنتاج تستغرق من سنتين ونصف إلى ثلاث سنوات (سنة حفر + ستة أشهر إلى سنة لتركيب المعدات السطحية).
يمتلك الساحل السوري 5 بلوكات بحرية، كل منها بمساحة نحو 4,000 كيلومتر مربع، وعمق مياه يصل إلى 4,000 متر. تكلفة البئر الاستكشافية البحرية تقع بين 100 و120 مليون دولار — أي ما يعادل 15 إلى 24 ضعفاً لتكلفة البئر البري. وقد تعاقدت شيفرون (Chevron) الأمريكية على بلوك بحري، فيما حُجز البلوك رقم 3 لتحالف يضم شركات (توتال TotalEnergies، قطر للطاقة QatarEnergy، وكونوكو فيليبس ConocoPhillips)، وتجري مفاوضات مع شركاء إيطاليين على البلوكات 1 و2 و4.
| الشركة | الجنسية | الموعد المحدد | نطاق العمل | فرص العمل |
|---|---|---|---|---|
| أديس (Ades) | سعودية | أبريل 2026 — بدء جلب المعدات | حفر وخدمات الحقول | 2,000 |
| جالف ساندز (Gulfsands Petroleum) | بريطانية | 18 أبريل 2026 — العودة الرسمية | حقل دجلة | 1,200 |
| كونوكو فيليبس (ConocoPhillips) ونافتيرا (Naphtera) | أمريكية / دولية | مايو 2026 — توقيع العقد | استكشاف وتطوير | 3,000 |
| شيفرون (Chevron) | أمريكية | اتفاق في CERAWeek / هيوستن | بلوك بحري | — |
| شل (Shell) | بريطانية-هولندية | مفاوضات مع وائل صوان / لندن | حقول سابقة | — |
تُعدّ معادلة الدعم من أكثر الملفات تعقيداً في القطاع: الشركة السورية للبترول تبيع النفط للمصافي بسعر الإنتاج القديم (60 دولاراً للبرميل) حتى حين ارتفع السعر العالمي إلى 110 دولارات، ما يعني ضخّ دعم ضمني بقيمة 50 دولاراً لكل برميل يذهب للاستهلاك المحلي.
| المنتج | السعر المدعوم | التكلفة الفعلية | نسبة الدعم |
|---|---|---|---|
| جرة الغاز المنزلي | 10 $ | 16 $ | 37.5% دعم |
| لتر البنزين | 0.80 $ | 1.50 $ | 47% دعم |
| لتر الديزل | 0.70 $ (8,000 ل.س) | 1.00 $ | 30% دعم |
أشار قبلاوي إلى مقارنة إقليمية لافتة: الإمارات رفعت سعر لتر البنزين من درهم واحد إلى 3 دراهم (زيادة 200%)، بينما لا تزال سوريا تتحمّل عبء الدعم الكبير في ظل إنتاج لا يكفي الطلب المحلي.
تُسهم الشركة السورية للبترول حالياً بـ 80% من دخل خزينة الدولة — رقم يعكس مدى اعتماد الحكومة الانتقالية على عائدات النفط في تمويل نفقاتها العامة الأساسية، بما فيها زيادة الرواتب الحكومية بنسبة 500% التي أقرّها رئيس الجمهورية أحمد الشرع.
يضم طاقم الشركة 26,000 موظف، 18,000 منهم يخضعون لقانون العمل رقم 51 بـرواتب تراوحت بين 100 و300 دولار في ظل النظام السابق — مستوى يعكس سنوات من الجمود الوظيفي. تُجري الشركة حالياً تحسينات راتبية تشمل مجموعات من 100 إلى 200 موظف كل 4 إلى 5 أيام، بهدف إعادة التوازن التدريجي دون ضغط مالي حاد على خزينة الشركة.
| المستوى | الراتب الشهري | المزايا الإضافية |
|---|---|---|
| الإدارة العليا (VP Level) | 4,000–10,000 $ | — |
| المدراء (Directors) | 2,000–5,000 $ | — |
| مهندس حديث التخرج | 1,000 $ | يرتفع إلى 2,800–3,000 $ للعمل الميداني (دير الزور) بفضل بدلات الموقع |
يقوم السلّم الجديد على 10 معايير تشمل: الراتب الأساسي، المستوى التعليمي، سنوات الخبرة، وغيرها. كما استُقطب 8 مدراء أقسام سوريون مغتربون من دول الخليج لشغل مناصب قيادية.
من كل 100 سيرة ذاتية تتلقاها الشركة، يُختار نحو 10 أشخاص للمقابلة. ثم يخضع المقبولون لمراجعة أمنية تستغرق من أسبوع إلى شهر — وأحياناً تكتشف الشركة بعد شهرين أو ثلاثة من التعيين ارتباطات سابقة للموظف بعمليات تخريبية، مما يستلزم إنهاء العقد. في المقابل، خصّصت الشركة ميزانية قانونية لرفع دعاوى ضد أي جهة تطلق شائعات كاذبة بحق موظفين ثبتت براءتهم أمنياً.
تتجاوز مهمة الشركة الجديدة حدود الإنتاج والتصدير لتمتد إلى أدوار تنموية واجتماعية معلنة:
| المبادرة | التفاصيل |
|---|---|
| تنمية منطقة الجزيرة | نسبة مخصّصة من إيرادات النفط لتنمية الرقة والحسكة ودير الزور (مدارس، مستشفيات) |
| مركز علاج السرطان في الرقة | الشركة تتبنى تجهيز طابقين في مستشفى بالرقة لمركز سرطان — تتكفل بكامل المصاريف والتجهيزات والأدوية لمدة سنتين فأكثر |
| مشروع البتروكيماويات | مصنع في المنطقة الشرقية لإنتاج البولي إيثيلين و PVC — لتصدير المنتجات وتوفير فرص عمل |
| إغلاق مخيمات النازحين | قرار رئاسي بإنهاء المخيمات بنهاية 2026 — الشركة تساهم في تمويل بناء المساكن البديلة |
| السلال الغذائية | توزيع 2,500 سلة غذائية خلال رمضان |
| منح جامعية | برنامج لاستقطاب النخب من كليات هندسة البترول (حمص)، والميكانيك والكهرباء (حلب، دمشق، إدلب) |
قبل تدخل الإدارة الجديدة، كانت المياه الملوّثة المصاحبة للنفط المستخرج تُضخّ مباشرةً على الأرض، لتقطع 3 كيلومترات قبل أن تصبّ في نهر الفرات — ما يُشكّل خطراً بيئياً جسيماً على مصادر المياه والتنوع البيولوجي. في الأشهر الأخيرة من عام 2025، اتُّخذ قرار بإعادة حقن هذه المياه في الآبار لرفع ضغطها بدلاً من تصريفها. وفي 13 آذار استلمت الشركة تقريراً شاملاً لتقييم المخاطر (بيئية وصحية وأمنية) لكافة حقول سوريا، وعلى أساسه خُصِّصت ميزانيات للمعالجة.
ما كشفته مقابلة يوسف قبلاوي ليس مجرد أرقام إنتاج — بل خارطة طريق لقطاع يسعى إلى استعادة مكانته في غضون سنوات، بعد أن فقد أكثر من 95% من طاقته الإنتاجية خلال حرب دمّرت حقوله وطرد موظفيه ونهب نفطه. الأرقام المُعلَنة طموحة — 800,000 برميل بحلول 2030 — لكنها مشروطة بعوامل كثيرة: ديمومة الاستقرار الأمني، تدفق الاستثمارات الأجنبية، وإصلاح بنية تحتية تالفة من الداخل إلى الخارج.
ما يميّز هذه المرحلة عن سابقاتها أن النقاش بات علنياً، والأرقام باتت مكشوفة، والمساءلة باتت مُدرجة — ولو بصورة تدريجية — في الهيكل المؤسسي الجديد. وهذا، في حد ذاته، تحوّل جوهري.