سياسة الطاقة

سورية تعود إلى خريطة الاستثمار الأوروبي في الطاقة

يمثل إدراج سورية ضمن مبادرة التعاون عبر المتوسط للطاقة المتجددة والتكنولوجيا النظيفة T-MED تحولاً سياسياً لافتاً في نظرة الاتحاد الأوروبي إلى البلاد، من دولة مرتبطة بالأزمة والمساعدات إلى سوق محتملة للاستثمار والتعافي الاقتصادي. لكن تحويل هذه الإشارة إلى مشاريع فعلية يتطلب بيئة تنظيمية مستقرة ومشاريع ناضجة وشراكات أوروبية موثوقة.

سياسة الطاقة

سورية تعود إلى خريطة الاستثمار الأوروبي في الطاقة

يمثل إدراج سورية ضمن الدول المؤهلة لمبادرة التعاون عبر المتوسط في الطاقة المتجددة والتكنولوجيا النظيفة T-MED تطوراً سياسياً واقتصادياً لافتاً. فبعد سنوات ارتبط خلالها الحضور السوري في السياسات الأوروبية بالعقوبات والمساعدات الإنسانية وإدارة تداعيات الأزمة، يظهر اسم البلاد اليوم بصورة مباشرة ضمن مبادرة تهدف إلى بناء محفظة من الاستثمارات الخاصة الكبرى في الطاقة والبنية التحتية والتكنولوجيا النظيفة.

أطلقت المفوضية الأوروبية الدعوة أمام الشركات الموجودة في الاتحاد الأوروبي والمنطقة الاقتصادية الأوروبية لتقديم مشاريع استثمارية في تسع دول من جنوب المتوسط، من بينها سورية. وتشمل المجالات المستهدفة الطاقة الشمسية والرياح، وشبكات النقل والتوزيع، والتخزين، ومراكز التحكم، وتصنيع التكنولوجيا النظيفة، إضافة إلى إنتاج الهيدروجين ونقله واستخدامه. وتستمر الدعوة حتى 31 أغسطس/آب 2026.

الأهمية السياسية لهذه الخطوة لا تكمن في وجود تمويل أوروبي مخصص لسورية، إذ تؤكد الوثيقة أن الدعوة ليست منحة أو ضماناً للاستثمار، بل في تغير الإطار الذي توضع سورية ضمنه. إدراجها في منصة تستهدف المشاريع القابلة للتمويل يعني أن الاتحاد الأوروبي بدأ ينظر إلى البلاد، ولو بحذر وشروط واضحة، باعتبارها جزءاً محتملاً من مستقبل الاستثمار والطاقة في منطقة المتوسط.

ويتوافق ذلك مع التحول الأوسع في السياسة الأوروبية تجاه سورية. ففي مايو/أيار 2025 رفع الاتحاد الأوروبي العقوبات الاقتصادية المفروضة على البلاد، باستثناء التدابير المرتبطة بالأمن، مع الإبقاء على قيود موجهة ضد أفراد وكيانات محددة. وفي مايو/أيار 2026 أعاد مجلس الاتحاد الأوروبي التطبيق الكامل لاتفاقية التعاون بين الاتحاد وسورية، في خطوة وصفها بأنها تهدف إلى دعم التعافي الاقتصادي وإعادة دمج سورية في النظام الاقتصادي الدولي.

من هذا المنظور، يمكن قراءة T-MED باعتبارها انتقالاً تدريجياً من إدارة الأزمة السورية إلى اختبار إمكانية الاندماج الاقتصادي المشروط. فالطاقة المتجددة توفر مدخلاً مناسباً لهذا التحول لأنها تجمع بين إعادة تأهيل الخدمات الأساسية، وتحفيز الاستثمار، وخلق فرص العمل، وخفض الاعتماد على الوقود، وتحقيق الأهداف المناخية الأوروبية.

لكن شروط الدعوة تكشف في الوقت نفسه حجم الفجوة بين الفرصة النظرية والقدرة العملية على الاستفادة منها. فالحد الأدنى للمشروع يبلغ 300 مليون يورو، ويجب على المطور توفير ما لا يقل عن 20% من التكلفة من موارده الذاتية. كما يجب أن تقود المشروع شركة أوروبية أو من المنطقة الاقتصادية الأوروبية، بينما تستطيع الشركات السورية المشاركة فقط ضمن ائتلاف تلعب فيه الشركة الأوروبية دوراً أساسياً.

تعني هذه المتطلبات أن المبادرة لا تستهدف محطات صغيرة أو مشاريع محلية محدودة، بل مشروعات استراتيجية مثل إعادة تأهيل شبكات النقل والتوزيع، وإنشاء قدرات توليد كبيرة، وتطوير التخزين ومراكز التحكم، أو إقامة صناعات مرتبطة بالطاقة النظيفة. ولذلك فإن استفادة سورية ستعتمد على قدرتها على تقديم مشاريع ناضجة تتضمن دراسات فنية ومالية، واتفاقيات شراء كهرباء قابلة للتمويل، وقواعد واضحة للربط بالشبكة والأراضي والتراخيص، إضافة إلى ضمانات قانونية تحمي المستثمرين والمصلحة العامة معاً.

كما ينبغي ألا تتحول المشاركة السورية إلى مجرد توفير الأراضي والتراخيص لمشاريع تقودها الشركات الأجنبية. يجب أن تتضمن أي شراكة مستقبلية شروطاً واضحة لنقل التكنولوجيا، وتدريب الكفاءات السورية، وإشراك الشركات المحلية، وخلق فرص العمل، وتوجيه الاستثمارات أولاً نحو أمن الكهرباء والتعافي الصناعي داخل البلاد.

في المحصلة، لا يمثل إدراج سورية ضمن T-MED وعداً بتمويل قريب، لكنه يشكل إشارة سياسية مهمة إلى عودة البلاد تدريجياً إلى النقاش الأوروبي حول الاستثمار والتعاون الإقليمي. والاختبار الحقيقي لن يكون في ظهور اسم سورية ضمن قائمة الدول المؤهلة، بل في قدرتها على تحويل هذا الانفتاح إلى مشاريع شفافة وقابلة للتنفيذ، تخدم إعادة بناء قطاع الكهرباء وتدعم تنمية اقتصادية مستدامة.

T-MED | قراءة سياسية

سورية تعود إلى خريطة الاستثمار الأوروبي في الطاقة

إدراج سورية يفتح نافذة للاستثمار والتعاون الإقليمي، لكنه لا يشكل تعهداً بالتمويل أو ضماناً لتنفيذ المشاريع.

9 دول مشمولة ضمن النطاق الجغرافي
300 مليون يورو الحد الأدنى لقيمة المشروع
20% الحد الأدنى لمساهمة المطور الذاتية
31 أغسطس 2026 الموعد النهائي لتقديم الطلبات

ماذا يعني ذلك سياسياً؟

من إدارة الأزمة إلى الاستثمار

يمثل ظهور سورية ضمن منصة استثمارية أوروبية انتقالاً تدريجياً من المساعدات وإدارة الأزمة نحو التعافي الاقتصادي والاستثمار.

الطاقة بوابة للتعاون

قد تصبح الطاقة المتجددة والشبكات والتخزين من أول مجالات إعادة بناء العلاقات الاقتصادية بين سورية وأوروبا.

فرصة مشروطة بالجاهزية

تتطلب الاستفادة الفعلية مشاريع قابلة للتمويل، وشركاء أوروبيين، وإطاراً قانونياً ومالياً مستقراً وشفافاً.

تنبيه: مبادرة T-MED هي دعوة لإبداء الاهتمام وبناء محفظة مشاريع محتملة، وليست منحة أو ضماناً للحصول على تمويل أوروبي.