بعد أكثر من عقد من الأزمة، يقف قطاع الطاقة في سوريا عند واحدة من أكثر مراحله هشاشة وتعقيداً. فقد تسببت الحرب، وتضرر البنية التحتية، وتراجع الاستثمارات، والعقوبات، في انهيار شبه كامل لمنظومات الكهرباء والنفط والغاز والمياه، ما انعكس بشكل مباشر على الحياة اليومية للمواطنين وعلى قدرة الاقتصاد الوطني على التعافي. في هذا السياق، جاءت تصريحات وزير الطاقة السوري محمّلة بأرقام دقيقة تعكس حجم الانهيار من جهة، وحجم الإمكانات الكامنة التي تسعى الحكومة الجديدة إلى إعادة تفعيلها من جهة أخرى، ضمن رؤية إصلاحية شاملة تعتمد إجراءات صعبة ولكنها تُقدَّم على أنها حتمية لاستدامة القطاع.
رغم أن سوريا لا تُصنَّف كدولة نفطية كبرى، إلا أنها تمتلك احتياطيات مهمة. إذ يبلغ الاحتياطي النفطي المؤكد نحو 2.5 مليار برميل. وبالاستناد إلى الاستهلاك اليومي الحالي البالغ 200 ألف برميل يومياً، فإن هذه الاحتياطيات تكفي نظرياً لتغطية احتياجات البلاد لمدة تتراوح بين 30 و33 سنة. قبل عام 2011، بلغ إنتاج النفط السوري في ذروته نحو 385 ألف برميل يومياً، ووصل إجمالي الإنتاج إلى قرابة 400 ألف برميل يومياً. غير أن هذا الإنتاج انهار بشكل حاد في عام 2014، متراجعاً بنسبة تقارب 90% ليصل إلى أقل من 25 ألف برميل يومياً. أما اليوم، فيبلغ الإنتاج الإجمالي حوالي 100 ألف برميل يومياً، لا يتجاوز نصيب مناطق سيطرة الدولة منها 8 آلاف برميل يومياً، ما يفرض على سوريا استيراد نحو 100 ألف برميل يومياً لتغطية الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك.
على مستوى التكرير، عادت المصافي للعمل بعد أضرار جسيمة. وتنتج مصفاة بانياس حالياً نحو 95 ألف برميل يومياً، بينما تنتج مصفاة حمص حوالي 45 ألف برميل يومياً، مع خطة حكومية لرفع إنتاج الأخيرة إلى 65 ألف برميل يومياً خلال الأشهر القادمة، أي ما يعادل 65% من طاقتها الاسمية. وفي حال تطبيق اتفاقيات عودة الموارد النفطية، تهدف الحكومة إلى رفع الإنتاج الكلي من 100 ألف إلى 200 ألف برميل يومياً خلال عام واحد.
في قطاع الغاز، يبلغ الاحتياطي المؤكد نحو 250 مليار متر مكعب، إضافة إلى احتياطي بحري يُقدَّر بنحو 1200 مليار متر مكعب، وهو رقم كبير قياساً باحتياجات البلاد. ويبلغ الطلب اليومي للغاز المستخدم في توليد الكهرباء نحو 30 مليون متر مكعب. وبعد أن كان الإنتاج اليومي قبل 2011 قريباً من هذا الرقم، انخفض الإنتاج الحالي إلى نحو 3 مليارات متر مكعب سنوياً. ولمعالجة هذا العجز، وقّعت سوريا عقداً مع أذربيجان لاستجرار نحو ملياري متر مكعب سنوياً في مرحلته الأولى.
تُعد أزمة الكهرباء من أكثر الأزمات تأثيراً على المجتمع السوري. فقد تراجع الإنتاج الكهربائي من 8.5 غيغاواط قبل الأزمة، وهي قدرة كانت تغطي نحو 90% من الاحتياج الوطني، إلى نحو 1.6 غيغاواط في ذروة الانهيار. وانعكس ذلك على ساعات التغذية، التي تراجعت من تغطية كلية بلغت 93% إلى نحو ساعتين يومياً في معظم المحافظات. وبعد تنفيذ أعمال تأهيل جزئية، ارتفعت القدرة المتاحة حالياً إلى نحو 4500 ميغاواط، في حين يُقدَّر الاحتياج الفعلي بنحو 7000 ميغاواط. وتُقدّر تكلفة إنتاج الكيلوواط الساعي على الدولة بنحو 1500 ليرة سورية، أي ما يعادل 13 إلى 15 سنتاً أمريكياً عند وصوله إلى المستهلك.
في المقابل، تم رفع تعرفة الشريحة الأولى المدعومة، التي تصل إلى 300 كيلوواط ساعة، إلى 600 ليرة سورية للكيلوواط الساعي، أي نحو 5 سنتات، مع استمرار الدولة في تحمّل نحو 60% من التكلفة الفعلية. وتبلغ كلفة دعم الكهرباء وحدها نحو مليار دولار سنوياً. وتبرز مشكلة الفاقد الكهربائي، الفني والتجاري، الذي يقدَّر بنحو 30%، ويعود جزء كبير منه إلى وجود نحو مليون منزل بلا عدادات. وتسعى الحكومة إلى خفض الفاقد إلى 15% عبر مشروع واسع لتوريد وتركيب 6.5 مليون عداد ذكي.
تمتلك سوريا موارد واعدة من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وتسعى الحكومة إلى إدماجها ضمن المزيج الطاقي الوطني، مع الالتزام بالحدود التقنية التي تفرض ألا تتجاوز مساهمة الطاقات المتجددة نسبة 20 إلى 30% من إجمالي التوليد. وفي هذا الإطار، جرى توقيع عقود ومذكرات تفاهم لمشاريع طاقة رياح بقدرة تقارب 1900 ميغاواط، ومشاريع طاقة شمسية بنحو 2600 ميغاواط. ومن أبرز هذه الاستثمارات مذكرة التفاهم الموقعة مع شركة UCC القطرية بقيمة 7 مليارات دولار، وتشمل مشاريع لتوليد 4000 ميغاواط بالغاز و1000 ميغاواط بالطاقة الشمسية.
في محاولة لتخفيف الأعباء، خفّضت الحكومة أسعار المحروقات، حيث جرى تخفيض سعر البنزين بنسبة 22% والمازوت بنسبة 21%. أما على صعيد المياه، فتواجه البلاد أزمة جفاف حادة، إذ انخفض تدفق نبع عين الفيجة من 40 متراً مكعباً في الثانية إلى نحو 1.5 متر مكعب في الثانية. وبالنسبة لنهر الفرات، تبلغ حصة سوريا وفق اتفاقية عام 1987 نحو 500 متر مكعب في الثانية، إلا أن الإطلاقات الفعلية الحالية لا تتجاوز 300 إلى 320 متراً مكعباً في الثانية في المتوسط.
تسعى الحكومة السورية، وفق ما أعلنه وزير الطاقة، إلى تحقيق استقرار تدريجي في القطاع، مع هدف يتمثل في الوصول إلى 16–18 ساعة تغذية كهربائية يومياً بحلول عام 2025. وفي هذا السياق، يجري العمل على تأسيس شركات قابضة مملوكة للدولة، مثل الشركة السورية للبترول، مع خطط لإنشاء الشركة السورية للكهرباء والشركة السورية للتعدين، بهدف منح هذه الكيانات مرونة إدارية ومالية أكبر، وتمكينها من استقطاب الكفاءات وتحسين الحوكمة.
تشبه عملية إصلاح قطاع الطاقة في سوريا عملية جراحية معقدة في جسد منهك. فالإجراءات المؤلمة في المدى القصير، مثل تعديل التعرفة وإعادة هيكلة الدعم، تُقدَّم كخيار لا مفر منه لمنع الانهيار الكامل وضمان استدامة الخدمات، على أمل أن تضع هذه الإصلاحات الأساس لتعافٍ اقتصادي أوسع وأكثر استدامة في المدى المتوسط والطويل.